حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
185
شاهنامه ( الشاهنامه )
قال : ولما أصبح بكر سائرا إلى حضرة أفراسياب . فلما وصل دخل ، وانتظر خلو المجلس وتفرّق القوم . ثم دنا من التخت وقال : أيها الملك ! قد زيد في عدد عبيدك عبد كأنه صورة العقل . لا يشبهه أحد على بسيط الأرض . يشرق من مهده إشراق الهلال الزاهر . ولو عاش وتور لقرت به عينه . وكأنه أفريدون قدّا ووراء وشكلا وبهاء . فسر بذلك أفراسياب حتى كأنه اللّه انتزع ما كان في قلبه من العداوة والبغضاء ، وتنفس متلهفا على سياوخش ، وقارعا سن الندم على ما سبق منه اليه . وقال لبيران : إني قد بلغني عن هذا القادم الجديد عجائب كثيرة . وقد ذكروا أنه يظهر من نسيل تور وكيقباد ملك يستولى على جميع ممالك نوران وإيران . ورأى أنه هذا المولود . والمقدور لا محاله كائن ، ولا يؤثر فيه هم وفكر ، والآن فلا ترب هذا المولود بين ظهراني الناس ، ولكن سلمه إلى بعض الرعاة ليربيه في الجبال . حتى لا يفطن لما بيني وبينه من القرابة ، ولا يعلم ما وقع بيني وبين أبيه من العداوة . فخرج بيران ممتلئا فرحا وسرورا حيث جرى الأمر على وفق مراده . فطفق يحمد اللّه تعالى على ذلك ويشكره . تسليم بيران كيخسرو إلى الرعاة ثم استدعى رعاة كانوا يرعون النعم في جبل هناك ، وسلم الصبى إليهم . وقال : ليكن هذا عندكم بمنزلة أرواحكم من الأشباع ، ومصونا من كل شيء حتى من الريح والتراب . فتسلموه ونشأ بينهم . فلما أتت عليه سبع سنين من عمره تحرّك منه العرق الشاهَنشاهى ، وسما به الطبع الخُسروانى ، فعمد إلى عود فاتخذ منه قوسا ، وعمل لها وترا من أمعاء الغنم ، وأخذ نشابا بلا ريش ولا نصل ، وجعل يتبع الصيد في الصحراء ويتصيد . وكان ذلك دأبه حتى استكمل من العمر عشر سنين فصار يصطاد الخنازير والذئب والنمور والسباع . وكان لا يعجبه غير ذلك . فخافك الرعاة عليه وجاءوا إلى بيران ويشتكون ، وقالوا : إنه كان في الأوّل يصطاد الغزلان واليعافير فصار يصطاد الذئاب والخنازير . وهو الآن لا يتبع في صيده إلا الأُسد والسراحين . وإنا نخاف عليه من ذلك ونخشى أن يصيبه مكروه فنتعرّض لسخطك . وفضحك بيران عند ذلك ، واستفزه الشوق اليه ، وفركب إلى الجبل الذي هو فيه ، فأتوه به . فلما وقعت عينه على بيران بادر وقبل يده . فنظر بيران في وجهه فرّق له واعتنقه وضمه إلى صدره ساعة . فقال له كيخسرو : أيها الملك ! كيف تعانق ابن راع يرعى الغنم ، ولا تعافه ؟ ودعا له : فازداد بيران له حبا حتى كاد يحترق قلبه عليه فقال : يا أيمن الأولاد ، ويا سلالة الملوك الأمجاد ! ما أنت من أولاد الرعاة بل أنت سيد السادات . فاستحضر له الثياب الخسروانية ، والمراكب السلطانية فأركبه ، ورجع به إلى إيوانه ، وجعله في حجره يربيه ويكفله . حتى مضت على ذلك سنون .